المقريزي

253

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

إلى الغرب ، وبقي أصحابها متعجبين لا يعلمون لها سببا أوجب سقوطها ، وبقيت أصنام مدينة منف ساقطة من ساعته ، وفيها الصنمان الكبيران المجاوران للبيت الأخضر الذي كان به صنم العزيز ، وكان من ذهب وعيناه ياقوتتان لا يقدر على مثلهما ، ثم قطعت الأصنام والبيت الأخضر من بعد سنة ستمائة . ويقال : كانت منف ثلاثين ميلا طولا في عشرين ميلا عرضا ، وإنّ بعض بني يافث بن نوح عمل في أيام مصرايم آلة تحمل الماء حتى تلقيه على أعلى سور مدينة منف ، وذلك أنه جعلها درجا مجوّفة ، كلما وصل الماء إلى درجة امتلأت الأخرى ، حتى يصعد الماء إلى أعلى السور ، ثم ينحط فيدخل جميع بيوت المدينة ، ثم يخرج من موضع إلى خارج المدينة . وكان بمنف بيت من الصوّان الأخضر الماتع « 1 » الذي لا يعمل فيه الحديد قطعة واحدة ، وفيه صور منقوشة وكتابة ، وعلى وجه بابه صور حيات ناشرة صدورها ، لو اجتمع ألوف من الناس على تحريكه ما قدروا لعظمه وثقله ، والصابئة تقول : إنه بيت القمر ، وكان هذا البيت من جملة سبعة بيوت كانت بمنف للكواكب السبعة ، وهذا البيت الأخضر هدمه ، الأمير سيف الدين شيخون العمريّ ، بعد سنة خمسين وسبعمائة ، ومنه شيء في خانقاهه ، وجامعه الذي بخط الصليبة خارج القاهرة . وقال أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن القيسي في كتابه تحفة الألباب : ورأيت في قصر فرعون موسى بيتا كبيرا من صخرة واحدة أخضر كالآس فيه صورة الأفلاك والنجوم لم نر عجبا أحسن منه . وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسيّ « 2 » : وكانت دار الملك بمصر في قديم الدهر مدينة منف ، وهي في غربيّ النيل على مسافة اثني عشر ميلا من الفسطاط ، فلما بنى الإسكندر مدينة الإسكندرية رغب الناس في عمارتها ، فكانت دار العلم ، ومقرّ الحكمة ، إلى أن فتحها المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، واختط عمرو بن العاص مدينته المعروفة ، بالفسطاط ، فانتشر أهل مصر ، وغيرهم من العرب والعجم إلى سكناها ، فصارت قاعدة ديار مصر ، ومركزها إلى وقتنا هذا . وقال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب : وقد ذكر أخبار مدينة أمسوس ، وخراب عمائر أرض مصر بطوفان نوح عليه السلام ، ولما نزل الماء كان أوّل من ملك مصر بعد

--> ( 1 ) الماتع : هو الجيد من كل شيء . ومن الألوان الأحمر . ( 2 ) حكيم أديب رحالة له تصانيف عديدة منها : ( الحديقة ) على أسلوب يتيمة الدهر . توفي سنة 529 ه . الأعلام ج 2 / 23 .